
كثيراً ما يتولَّدُ لدى المرءِ مِنَّا جانبٌ نِسْبِيٌ مِن صُورِ الرأي في أمرٍ مَا ، أوالتَّوصل لرؤيةٍ حولَ موضوعٍ مَا ، أو بِناء فكرةٍ تِجَاهَ أَحَدٍ مَا ، ونَنسَّاق نحوَعاملِ الرَّجَحَانِ فِي ذاكَ دونَ غيرِه ، رُغْمَ احتمالِ النَّقيضِ لِذلِك المقدارِ مِن الاعتقادِ في الوقتِ ذاتِه ، وما يمكن أن تترتب على رؤانا تلك تداعيات متعددة ، تترك جملةً التأثيرات سواء على مستوى الفرد أو المجتمع.
ومِن خلالِ عالم اليوم الذي تتسيَّده تقنياتُ الاتصال ، ووسط الضبابية التي تُحدثها وسائل الإعلام ووسائط التواصل الاجتماعي التي تُغطي أو تحيط بمصدرِ المعلومةِ فغالباً مَا نستَنِدُ فِي اعْتقادِنا هذا أو رَأينا ذاكَ عَلى جُمْلَةٍ مِن المُعْطَياتِ التي لَن تَكُن بَعيدةً عن الإشاعةِ ، أي تِلكَ المَعَلُومَةُ الغَيرُ مُؤكَّدَةٌ رُغْمَ أنها فِي الأَصْلِ أَخْبَارٌ مَوجُودَةٌ ، ولَكِنَّهَا قد جَاءَت تَهْوِيلاً وتَعْظِيمَاً ، وبِصُورَةٍ مُخْتَلِفَةٍ عَنْ حَقِيقَتِهَا الأصل ، أو بَعيدةً عَن الشَّائِعَةِ بما تحمله من أَخْبَارِ ( القيلِ ) و( القالِ ) ، والَّتِي لَا يُعْلَمُ ذلك الذي أَذَاعَهَا عنها شيئاً ، ولا عن صِحَّةِ مَا أَورَدَتْهُ فِي مَضامِينَهَا ، كونها مَجُْهولةُ المَصْدَرِ .. وما هذا وذاك إلاَّ الظَّنُّ بعينهِ .
وحولَ الظَّنَّ فقد ذَهَبَ بعضُهُم إلى أنَّه أقربُ ما يكون ذلك التَّرَدُّدَ الرَّاجِحَ فِي إطَارِ الاعْتِقَادِ الغيرِ جازِمٍ ، مع بعضٍ مِن أوجهِ التَّدَبُّرِ بِما يَشوبُهَا مِن الرّيبةِ .. ولا شَكَّ وقِياساً على ذلك فَإنَّ مَنْ يَتَّصِفُ بِكثيرِ الظنِّ فِي مَنْ حولِهِ سُوءَاً ، هُوَ ذلكَ المَرءُ الظَّنُونُ ، الَّذِي دَائِمَاً مَا تَعْتَرِيهِ أَنْوَاعٌ مِن الأوْهَامِ تِجاهِ الآخرِ ، وليسَت فِي مَحَلِّها ، بَل تُسيطر عليه حِينَهَا بَعْضٌ مِن الشُّكُوكِ بما وردت إليه مِن أخبارٍ أو معلوماتٍ ، مِن وسائلَ شَتَّى ، وهِي كَذَلِكَ ـ أي الأخبار ـ في غيرِ صَاحبِهَا ، فذاك هو سيِّئ الظَّنِّ بالآخرِين ، وفِي ذات الحِين يَكونُ مُزَكِّيَاً نَفْسَه دونَ غيره.
ولا شَكَّ فِي أَنَّ سُوءَ الظَّنِّ يُعدُّ نَوعاً مِن الابتلاءِ ، ويُظهِرُ مَدى إيمانِ المَرءِ بِخالِقِهِ ، ويْعكسُ مستوى ثقافتِه ، ويُبَيِّنُ مقدارَ عِلْمِهِ وفِكرِه ، ويُبْرِزُ حجمَ ثِقَتِهِ فِي نَفْسِه ومَنْ حولهِ ، ومَا إذا كانَ لَديه القدرةُ في التَّبيُّنِ ، أو تتَسَنَّى لَهُ المعرفةُ في صَوَابِ ظَنِّهِ مِن عدَمِهِ ، وقَبْلَ ذلكَ وبعده لا يُمكن لَنا أَنْ نذهبَ بعيداً عن مَا أمَرَنَا بِهِ المَولى عَزَّوجلَّ مِنْ حيثُ مَا ذَكَرَه سبحانَهُ وتَعَالى فِي كِتَابِهِ العَزِيزِ فِي سُورةِ الحجرات الآية (١٢) : ” يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ ” ، وفِي السُّنَّةِ النَّبويةِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلَّم ، قَالَ : ” إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ ، فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الْحَدِيثِ ، وَلاَ تَحَسَّسُوا ، وَلاَ تَجَسَّسُوا ، وَلاَ تَحَاسَدُوا ، وَلاَ تَدَابَرُوا ، وَلاَ تَبَاغَضُوا ، وَكُونُوا عِبَادَ اللهِ إِخْوَانًا ” (أخرجه أحمد والبُخاري ) .
وبِالمُقَابِل ، فإنَّهُ عَلى الوَاحِدِ مِنَّا أَنْ يُغلِّبَ حُسْنَ الظَّنِّ بالآخِرِ، وأنْ يسْتحضِرَ دَومَاً ظَنَّ الخيرِِ ، ويُحرِصَ ـ حينَ يعنيه الأمرُ ـ عَلى السَّعيِّ نحوَ تَبيانِ الحقَائقِ فِي إصدار حُكمِهِ ، أو فِي إطلاقِ ظَنَّه ، بحيثُ إدراكُ مَا يحملُه كلُّ صادرٍعن أي أمرٍ ، من قولٍ ، أو فعلٍ ، أو كنهٍ ، وذلكَ مِنْ مَحْملٍ حَسَنٍ ، ومصدرٍ ثقة ، وبعد التَّحقَّقِ والتثبتِ ، وبتحوِّلِ الظنِّ إلى يقينٍ جازمٍ ، مَع الإيمَانِ الكَامِلِ بِأنَّه ليسَ هُنالِكَ مِنْ مُطَّلِعٍ عَلى البَوَاطنِ أو مُحِيط ومُتوليٍّ للسرائر إِلاَّ الله الخالِق سبحانَهُ وتَعالى دُونَ غَيرِه ، ومَا نَعلَمَهُ أو مَا يَصلُ إِلينَا ليعتريه جانب من النَّقص أو تشوبه شائبةٌ ، فحينَ ذاكَ ننأى بأنفسِنَا عَن كلِّ مَا يُمكنُ أَنْ يعكِّرَ صفوَ الحياةِ ، والعلاقةِ البينيةِ لأفرادِ المُجتمعِ ، بالتالي يَكونُ الاستقرارُ هو السائدُ والأمنُ مُستتباً .
ما تلعبه تقنيات الذكاء الاصطناعي وسط عالم الاتصال والتواصل الحديث في الارتقاء بمستوى الحياة
واقع المتغيرات الثقافية والفكرية وتداخلاتها في ظل التحول التقني وانعدام الحواجز بين المجتمعات

